مجمع البحوث الاسلامية
162
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أي غير مقطوع ، فهذه الجنّة لو كانت هي الّتي دخلها آدم عليه السّلام لما فنيت ، لكّنها تفنى لقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ القصص : 88 ، ولما خرج منها آدم عليه السّلام ، لكنّه خرج منها وانقطعت تلك الرّاحات . وخامسها : أنّه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنّة يخلدهم فيها ولا تكليف ، لأنّه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل ، ولأنّه لا يهمل عباده بل لا بدّ من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد . وسادسها : لا نزاع في أنّ اللّه تعالى خلق آدم عليه السّلام في الأرض ولم يذكر في هذه القصّة أنّه نقله إلى السّماء ، ولو كان تعالى قد نقله إلى السّماء لكان ذلك أولى بالذّكر ، لأنّ نقله من الأرض إلى السّماء من أعظم النّعم ، فدلّ ذلك على أنّه لم يحصل ؛ وذلك يوجب أنّ المراد من الجنّة الّتي قال اللّه تعالى له : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ، جنّة أخرى غير جنّة الخلد . القول الثّاني : وهو قول الجبّائيّ : أنّ تلك الجنّة كانت في السّماء السّابعة ، والدّليل عليه قوله تعالى : اهْبِطُوا مِنْها ، ثمّ إنّ الإهباط الأوّل كان من السّماء السّابعة إلى السّماء الأولى ، والإهباط الثّاني كان من السّماء إلى الأرض . القول الثّالث ، وهو قول جمهور أصحابنا : إنّ هذه الجنّة هي دار الثّواب ، والدّليل عليه أنّ الألف واللّام في لفظ ( الجنّة ) لا يفيدان العموم ، لأنّ سكنى جميع الجنان محال ، فلا بدّ من صرفها إلى المعهود السّابق ، والجنّة الّتي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثّواب ، فوجب صرف اللّفظ إليها . والقول الرّابع : أنّ الكلّ ممكن ، والأدلّة النّقليّة ضعيفة ومتعارضة ، فوجب التّوقّف وترك القطع ، واللّه أعلم . ( 3 : 3 ) القرطبيّ : ( الجنّة ) : البستان ، وقد تقدّم القول فيها . ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدريّة ؛ من أنّه لم يكن في جنّة الخلد ، وإنّما كان في جنّة بأرض عدن . واستدلّوا على بدعتهم بأنّها لو كانت جنّة الخلد لما وصل إليه إبليس ، فإنّ اللّه يقول : لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ الطّور : 23 ، وقال : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً النّبأ : 35 ، وقال : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلًا سَلاماً الواقعة : 25 ، 26 ، وأنّه لا يخرج منها أهلها لقوله : وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ الحجر : 48 . وأيضا فإنّ جنّة الخلد هي دار القدس ، قدّست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها . وقد لغا فيها إبليس وكذب ، وأخرج منها آدم وحوّاء بمعصيتهما . قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من اللّه وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد ، وهو في دار الخلد والملك الّذي لا يبلى ؟ فالجواب : أن اللّه تعالى عرّف ( الجنّة ) بالألف واللّام ، ومن قال : أسأل اللّه الجنّة ، لم يفهم منه في تعارف الخلق إلّا طلب جنّة الخلد . ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنّة لتغرير آدم ، وقد لقى موسى آدم عليهما السّلام ، فقال له موسى : أنت أشقيت ذرّيّتك وأخرجتهم من الجنّة ، فأدخل الألف واللّام ليدلّ على أنّها « جنّة الخلد » المعروفة ، فلم ينكر ذلك آدم ، ولو كانت غيرها لردّ على موسى ؛ فلمّا سكت آدم على ما قرّره موسى ، صحّ أنّ